محمد الغزالي
215
خلق المسلم
روي عن عبد اللّه بن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا ترضين أحدا بسخط اللّه ولا تحمدن أحدا على فضل اللّه . ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك اللّه . فإن رزق اللّه لا يسوقه إليك حرص حريص . ولا ترده عنك كراهية كاره . وإن اللّه بقسطه وعدله جعل الروح والفرج في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في السخط » « 1 » . وهذا الحديث لا يعني جحود الصنيع ، ولا ازدراء الفضل لمن أسدوا الفضل . فإن الحديث يقول : « من لا يشكر الناس لا يشكر اللّه » « 2 » . ولكن معناه ، ألا يستعبد المرء بمنة وصلة حتى تداس كرامته ! فإن المنة للّه أسبق . ولا يجوز للمعطي أن يقصد بهبته شراء الأنفس والتصرف فيها كما يحب . فإن هذا يحبط أجره . وكان ذلك القصد - ولا يزال - شأن الذين يؤتون لغير اللّه . ولذلك تأفف الأحرار من عطاياهم : لاه ابن عمك ، لا أفضلت في نسب * عني ولا أنت ديّاني فتخزوني « 3 » ! أما الذين يعطون للّه ، ويؤدون حقوق العباد ابتغاء وجهه ، فقد قال رسول اللّه في بيان مكافآتهم : « من أعطي عطاء فليجز به إن وجد ، فإن لم يجد فليثن به ، فإن من أثنى به فقد شكره ، ومن كتمه فقد كفره » « 4 » . أما تهيب الموت وتحمل العار طلبا للبقاء في الدنيا على أية صورة فذلك حمق ؛ فإن الفرار لا يطيل أجلا والإقدام لا ينقص عمرا ، كيف ؟ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ « 5 » . إن القضاء يصيب العزيز وله أجره ، ويصيب الذليل وعليه وزره ، فكن عزيزا ما دام لن يفلت من محتوم القضاء إنسان .
--> ( 1 ) الطبراني . ( 2 ) الترمذي . ( 3 ) يقال خزاه : قهره وملكه . ( 4 ) أبو داود . ( 5 ) الأعراف : 34 .